ست العجم بنت النفيس البغدادية

388

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

هو الهلاك على الحقيقة . وقوله : ( وإن صاحبتهم هلكت ) ، يريد به أن ما سوى العارف في عصره يطلق عليه الجهل سحبا ، وأيضا فإن عارفين كاملين لا يجتمعان في عصر واحد ولا في زمان بل ولا في آن ، ولو اجتمعا لكان أحدهما أفضل من الآخر ولا يجوز ذلك إذ الكمال ليس فيه تفاضل لأن المقابل واحد وهو انطباع صورة اللّه في مرآة الوجود التي هي النور ، ومحال أن ينطبع في الصورة الواحدة صورتان ، فلهذا لا يجتمع الكاملان في عصر واحد ، ولا يجتمع مع الكامل في عصره إلا من دونه ومن دونه بالنسبة إليه هالك ، فكأنه قال له : ( إن صاحبت الكامل لم يكن كاملا ) ، وهذا مما حصل له قبل الكمال . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : من رأى العمد فقد حجب ، وإياك والحجاج ، فإنه يورث الهلاك ) ] . ( ش ) أقول : يريد به المعنى الذي تكلمنا عليه فيما تقدم على هذا القول ، وهو قوله : ( وإن صاحبتهم هلكت ) ، لأن رائين العمد هم المصاحبون للكامل في وجوده ، لأن صورة العمد ، ومعناه هي صورة الكامل بعينها ، فإنه لا معنى للعمد إلا ذات متصفة بالفردانية مستقلة بحمل الوجود ، وهذه حقيقة الكامل ، فمن صحب هذا الكامل في الوجود حجب عن الكمال لأننا قررنا أنه لا يمكن وجود كاملين معا ، وهذا الخطاب يلحظ من باطنه تناقض ، ما في قوله : ( من رأى العمد فقد حجب ) ، فإن الموجودات في زمانه تكون محجوبة عن الكمال ، ولا يبعد أنه في حال انتقاله لكل واحد منها ، بل كذلك هو ضرورة ، لأنه لا يخلو الوجود من كامل سوى آن واحد ، ويكون هذا المهيأ قد أخذ في الكمال في هذا الآن ، فلا يخلو الزمان منه أبدا . فقوله : ( من رأى العمد فقد حجب ) ، يريد به المغايرة في المعنى في حقيقته ، وأمّا في الظاهر فمناسب بالتقريب ، لأنه جعل الحكم للبصر ، فكأنه يقول : ( ما دامت الموجودات مبصرة لهذا العارف فهي محجوبة به ) ، قوله : ( وإياك والحجاج فإنه يورث الهلاك ) ، يريد بالحجاج هاهنا الجدل بغير حق ، وهو حقيقة الاعتراض على اللّه تعالى ، فكأنه يقول له : هذه أفعالي وإياك أن تعترض ، فإن الاعتراض والجدل في اللّه بغير علم يورث الهلاك ، ومنه قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ [ الحج : 8 ] ، وهذا أيضا مما حصل له قبل الكمال . * * *